la pensée
بحث هذه المدونة الإلكترونية
موقع خاص بالبحث في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية
الجمعة، 29 نونبر 2013
السبت، 20 أكتوبر 2012
حوار خاص مع الدكتور أحمد الطريبق (أجراه نورالدين علوش)
- مع بداية السبعينيات، كان الفكر الماركسي هو التيار السائد في العالم، بالإضافة إلى حضور مهم لفلسفة سارتر. بيد أن الفكر الماركسي كان مرتبطا بحركات التحرر في العالم التي كانت موجودة على الأرض كحركات سياسية. انتقل هذا التأثير إلى المغرب، وقد كنت من أولائك الشباب الذين انضموا إلى هذه الحركة، أي أنني تعرفت على الماركسية داخل هذا السياق. غير أن هذه الماركسية لم تكن في الواقع سوى كتابات ونصوص صيغت داخل الآلة الإعلامية السوفيتية، وكذا الآلة الإعلامية الصينية، وبالتالي فإن هذه الماركسية لم تكن سوى ماركسية السوفيات والصين، فقد كانت بعيدة تماما عن الماركسية كما طرحها كارل ماركس ضمن إشكالية تتعلق بنقد المثالية الألمانية وخصوصا هيجل، والبحث عن شروط تغيير الواقع الإنساني في سياق التدهور الحاد الذي كانت تعرفه أوروبا على مستوى الاقتصاد والعلاقات الإنسانية. بالنسبة لي، كما بالنسبة للجيل الذي أنتمي إليه، فإن الماركسية التي اعتقدنا أننا ننتمي إليها لم تكن سوى ماركسية باهتة بدون نفس فلسفي.
سيدي الكريم هناك الكثير من الباحثين العرب يجتنبون هيدغر بسبب الصعوبات التي تواجههم أثناء الاشتغال على المتن الهيدغري، وخاصة كتابه العمدة" الوجود والزمان" كيف تتمكنون من تجاوز هذه الصعوبات؟
- البحث في فكر هيدجر يطرح مشكلات كثيرة وصعبة: 1- فكر هيدجر هو مساءلة لكل التراث الفلسفي منذ الأسطورة الإغريقية إلى هيجل، إنه تفكيك دقيق له ولكل ما تضمنه من مفاهيم وقضايا ميتافيزيقية. 2- فكر هيدجر هو إعادة بناء لطريق الفكر أو للفكر بوصفه طريقا. 3- إنه يسائل من جديد مسألة اللوغوس وحدودها القصوى الممكنة. 4- تتجه أعمال هيدجر نحو السؤال الأصعب والأعقد: سؤال الإنسان وسؤال التقنية بوصفها إرادة الإرادة Le règne du vouloir. فهذه الأمور، على سبيل المثال لا الحصر، تضع الفكر المعاصر أمام ثقل كل التراث الفكري البشري. في المقابل نجد أن الباحثين العرب ظلوا منذ قرون مسجونين داخل إشكاليتين: السياسة والعقيدة. وبالتالي فلم تتح لهم الفرصة الكافية للتفكير بحرية خارج هذه الإكراهات.
من جهة ثانية، فإن أعمال هيدجر وصلت متأخرة بسبب أن العالم العربي لم يكن على احتكاك بالثقافة الألمانية في لغتها الأصلية، ولما أن أعمال هيدجر وصلت من خلال ترجمة الفرنسيين الذين تأخروا بدورهم في ترجمة أعماله، فقد ظل هيدجر غير معروف لدى المثقفين العرب، لسببين: مشكلة الترجمة – مشكلة " الحاجة " إلى هيدجر في ظل هيمنة إشكاليتي السياسة والعقيدة. بالإضافة إلى ما سبق، أقول إن العالم العربي لحد الآن غير قادر على تقبل فكر هيدجر، هناك هوة كبيرة جدا تصعب معالجتها، ذلك أن فكره يتميز بجذرية كبيرة يصعب على فكرنا تقبلها، فالفكر العربي مشحون بالمسلمات والقطعيات، لاسيما وأننا نعيش في ظروف تغلب عليها المواجهة السياسية والنزاعات الجهوية والدولية. مما يجعل المذاهب الأكثر شيوعا هي تلك التي لا يهمها السؤال الفلسفي بقدر ما يهمها قضايا السياسة.
شوهت الحداثة أصلية الإنسان وحولته إلى حيوان أليف، وبذلك صارت أكبر كذبة صنعها البشر، والمسؤولية في ذلك تعود إلى أفلاطون والمسيحية. ومن ثمة وجب التفكير في تصحيح المسار وفضح الأكاذيب وكل القيم الزائفة التي كبلت الإنسان وأساءت إلى قدره. والحال أن السماء، خصوصا في القرن التاسع، قد فقدت بريقها وهيمنتها وانتهى عهدها وصار على الإنسان أن يغير هذا الوضع، بأن يتحمل مسؤولية قدره، وهذا عند نيتشه هو الإنسان الأعلى. يستلزم هذا هدم كل الأكاذيب والأوهام التي بنيت، والتوجه نحو بناء الإنسان الذي يعلم أن الحياة والسياسة والاقتصاد والعلم ... الخ هي من صنعه، ولا توجد حقيقة فوق ما يستطيعه الإنسان، وما يستطيعه الإنسان أمر تحضه عليه طبيعته القائمة على إرادة القوة.
- لماذا نجد حضورا كبيرا لرمو ز فلسفية( دريدا وفوكو...) تمثل مدرسة ما بعد الحداثة في الفلسفة العربية المعاصرة وغياب رموز حداثية أمثال هابرماس في المشهد الفلسفي العربي ؟
- يفترض السؤال أن فكر فوكو وديريدا حاضر فعلا، وأنه في المقابل، فإن فكر هابرماس غير حاضر، وهذا غير صحيح. من المؤكد أن الفضاء الجامعي كان، منذ السبعينيات منفتحا بشكل جيد على كل هذه التجارب الفلسفية، وهذا ما يفسر أن الفضاء الجامعي كان دائما هدفا للقمع والاعتقال والمحاصرة والمنع، ومع ذلك فإن الفضاء الجامعي غير كاف لكي يدخل المجتمع في دائرة هذه التجارب الفلسفية.
نلاحظ مثلا أن مجتمعاتنا السياسية ونخبها لا تزال تتحدث عن تحديث المجتمع وبلوغ الحداثة وبناء دولة المؤسسات والديموقراطية ... مثل هذه القضايا غير مطروحة تماما في فكر فوكو ولا في فكر ديريدا ... الخ الأمر الذي يبين إلى أي حد نحن خارج الراهنية ! مازال سياسيونا يتحدثون عن السلطة بالمعاني التي تحدث عنها روسو ومونتيسكيو وفيبر وماركس ... الخ ويستمر المنظرون السياسيون في الحديث بدون ملل عن دولة الحق والقانون والحكامة الجيدة والشأن العام، وكأننا نعيش في القرن الثامن عشر !؟ أي خارج الحاضر والراهنية والمشاكل الخطيرة التي يطرحانها، سواء محلية أو كونية.
- سيدي الكريم انتم من الباحثين المتميزين في الفلسفة المعاصرة فلما ذا لا تهتمون بكتابات انطوني نغري واغامبيو وألان باديو ؟
- من قال إنني لا أهتم بهؤلاء، إنهم في صلب اهتمامي، خصوصا وأن هؤلاء يعتبرون من المفكرين المعاصرين الذين كانت لهم إضافات واجتهادات مميزة، سواء بالنسبة للتجديد بالنسبة للماركسية أو العمل على خطى ميشيل فوكو، كما هو الأمر مع أنطوني نغري وفاتيمو. هناك جيل من المفكرين الكبار الذين لا يمكن الاستغناء عنهم أو تجاهلهم، هؤلاء وغيرهم مثل: كوسطاس أكسيلوس وجان بودريار ومرسيا إلياد وجان كليفيتش وميشيل أونفري وحنا أراندت وغيرهم كثيرون، يمثلون تجربة فلسفية فذة وفعالة.
الجزء الثاني
- من الواضح أن دور الفلسفة بعد هيجل أصبح يتجه أكثر فأكثر نحو قضايا الإنسان، وخصوصا قضايا الأخلاق والسياسة. ويبدو هذا جليا في عالمنا المعاصر. أعتقد أن سؤال الحاضر بدأ يطرح منذ كانط وهيجل، لكن لدى هؤلاء كان بعد الزمن غير واضح أو بالأحرى تقليدي أرسطي. مع نيتشه وهيدجر اللذان أدخلا تعديلا جذريا لمفهوم الزمن، أصبح سؤال الفلسفة يتجه بوضوح نحو سؤال الحاضر، لذلك نجد أن الفلسفة المعاصرة تدور كلها حول قضايا الإنسان، سواء مع الفلسفات التي ظلت مرتبطة بالحداثة أو الفلسفات ما بعد الحداثية. هناك تقاطع واضح فيما يتعلق بدور الفلسفة، وأعتقد أن جيل دولوز قد أجاب بشكل جيد على هذا السؤال: الفلسفة هي أولا ابتكار للمفهوم، وثانيا هذا الابتكار هو في علاقة محايثة لمشاكل ملحة تطرح على الفيلسوف. وهذا الأمر كان منذ أفلاطون، فالفلسفة هي نشاط خاص يهدف إلى خلق مفهوم من أجل الإجابة على قضايا مطروحة على مستوى الفكر.
بعد نجاح الثورات العربية في إسقاط الأنظمة الاستبدادية, فهل نحن قادرون على بناء دول ديمقراطية تعددية.؟
- منذ ثورة سبارتاكوس، لم يثبت أن ثورة ما نجحت فعلا، فبين الشعارات التي ترفعها الثورات وبين ما يحصل على الأرض، هناك هوة كبيرة جدا لم يثبت لا التاريخ ولا العلم أن ثورة ما استطاعت أن تتغلب عليها. الأمر نفسه عبر عنه كانط بمقاله الشهير: " ما هي الأنوار ؟" معلقا ومحللا الثورة الفرنسية. ولما أن كانط كان شديد الحساسية فيما يتعلق بحدود وعتبات العقل، فقد بقي صامتا عشر سنوات قبل أن يعلق على هذه الثورة. إن الذي يحدث في كل ثورة بالتأكيد هو حدث حصولها، وهذا المشهد العام حيث تنقلب كل الأشياء والأوضاع، مع يرافق ذلك من مشاعر الحماس والاستعداد والتفاعل مع الثورة، أما الثورة كحدث متميز، فإنها لا تتضمن أي شيء على الإطلاق، سواء كان شيئا سلبيا أو إيجابيا. هل تؤدي الثورة إلى التقدم ؟ بالتأكيد لا ! فلننظر إلى الثورات التي حصلت في التاريخ البشري: الثورة الفرنسية انتهت إلى ساركوزي، الثورة الإنجليزية انتهت إلى توني بلير، الثورة الأمريكية انتهت إلى بوش، الثورة الروسية انتهت إلى ستالين، الثورات والانقلابات في البلدان العربية خلال الخمسينيات أعطت القذافي وبنعلي وحسني مبارك...الخ.
هناك حديث الآن عن " الربيع العربي "، عن أي ربيع يتحدثون ؟ ثم من أعطى هذا الاسم لما يحصل في العالم العربي ؟ نعرف أن هناك آلة ضخمة جدا تشتغل كآلة حرب عملاقة: إنه الإعلام ! ما نعرفه عما يجري في العالم العربي هو ما تبثه القنوات والإذاعات والصحف، لكن آخر شيئ نعرفه هو تلك الأمور الخطيرة التي تجري في السرية حيث مراكز القرار الدولي. كان بودريار المعبر الفعلي عن هذه الوضعية الهلامية، حينما ألف كتابه: " الحرب العراقية لم تجر " وحينما ابتكر مفهومي " موت الواقع La mort du réel " و" الواقع المفرط L’hyper-réel "
لذلك فأنا آسف جدا أن أزعج القارئ بقولي إنه ليست هناك ثورات ولا هناك نجاح، ولا ربيع ولا شتاء: هناك الحكومية Gouvernementamlité وقد انتظمت دوليا وكونيا ! بناء على ذلك، لا يبدوا لي في الأفق لا تحقيق للديموقراطية ولا تحقيق للتعددية. ما يحصل في العالم العربي أمر أكبر من العالم العربي نفسه، إنه أمر كوني.
الجمعة، 3 غشت 2012
الخميس، 24 ماي 2012
ديكارت وفلسفة الذاتية
الجمعة، 13 أبريل 2012
الانتصار على الذات

أنتم تسمونها إرادة الحقيقة تلك القوة التي تلهبكم، يا مجمع الحكماء ؟
إرادة أن تعقلوا كلما هو وجود: هذا هو الاسم الذي أطلقه على إرادتكم.
تريدون أن تجعلوا كل ما في الوجود قابلا للإدراك: ذلك أنكم تشكون بحذر مبرر أن يكون قابلا للإدراك فعلا.
ولكن يتوجب عليكم إخضاعه وثنيه على السجود أمامكم ! ذلك ما تريده إرادتكم. تهذيبه وإخضاعه للفكر وكأنه مجرد مرآة وانعكاس للفكر.
هنا تكمن كل إرادتكم، يا أعظم الحكماء: إنها إرادة قوة، حتى عندما تتكلمون عن الخير والشر وعن أحكام القيمة.
لازلتم تصرون على اختلاق العالم الذي يمكنكم السجود له: ذلك هو أملكم الأكبر ونشوتكم القصوى.
أما دونكم من العامة فهو كالنهر الذي يسبح فوقه القارب، حيث تجلس فيه قيمكم الصارخة والمتنكرة.
رميتم نهر الصيرورة بإرادتكم وقيمكم: وقد انكشف لي إرادة قوة ما ظنه العامة خيرا وشرا، وإذا بها إرادة قوة أزلية. إنكم أنتم، يا أعظم الحكماء، الذين أقمتم هؤلاء الضيوف المبجلين في القارب، وزينتموهم ومنحتموهم أسماء جليلة، أنتم وإرادتكم السائدة !
والآن يظل النهر يوجه قاربكم إلى الأمام، فهو مجبر على ذلك. ولا أهمية للأمواج التي تزبد وهي تنكسر على أطراف القارب، وتصطم به في عنف.
ليس الخطر كامنا في النهر، وليس فيه نهاية خيركم وشركم، يا أعظم الحكماء، وإنما الخطر في تلك الإرادة ذاتها: إرادة القوة، إرادة الحياة الخلاقة التي لا تنفد.
لكن، ولكي تدركوا معاني كلمتي عن الخير والشر، أقول لكم كلمتي هذه أيضا عن الحياة وعن طبيعة كل ما هو حي.
لقد تتبعت مسار الكائن الحي، وسرت في الطرق أكبرها وأصغرها لكي أعرف طبيعتها.
وبينما كان فم الكائن الحي صامتا، أدركت نظرته بمرآتي ذات المائة وجه، حتى نطقت أعينه وتحدثت إلي بالفعل.
كلما وجدت كائنا حيا، سمعت حديث الطاعة. فكل ما هو حي مطيع.
وهذه كلمتها الثانية: فمن لا يعرف كيف يطيع ذاته، يأمره غيره، فتلك هي طبيعة الأحياء.
وهاك ثالث ما سمعت: إن الأمر لهو أخطر من الطاعة. ليس ذلك لأن الآمر يحمل على عاتقه حمل كل المطيعين، وأن هذا الحمل يكاد يدمره فحسب: بل لأن في كل أمر مغامرة ومخاطرة؛ وكلما كان الحي آمرا، كان في ذلك مخاطرا بنفسه.
أجل، فحتى عندما يأمر ذاته، فعليه أيضا أن يتحمل عاقبة أمره، وعليه أن يكون القاضي والمنتقم والضحية لقانونه الخاص.
سألت نفسي: كيف يحدث كل هذا إذن ؟ وما الذي يدفع الحي إلى أن يطيع ويأمر، ويكون طيعا حتى عندما يأمر ؟
فانصتوا الآن إلى كلمتي، يا أعظم الحكماء ! واختبروني بدقة لتروا ما إذا كنت قد سبرت أغوار الحياة حتى قلبها، وحتى أعمق أعماق هذا القلب !
أينما وجدت كائنا حيا، وجدت إرادة قوة؛ بل إني وجدت في إرادة العبودية ذاتها رغبة الكائن الحي في السيادة.
واستسلام الضعيف للقوي أمر تحضه عليه إرادته المتحكمة فيمن هم أضعف منه: فهذه هي النشوة التي لا يمكن أن يزهد فيها.
وكما يستسلم الأصغر للأكبر كي يستمتع به ويسيطر عليه: كذلك يستسلم الأكبر بدوره، ويقامر بحياته حبا في القوة.
ذلك هو استسلام الأكبر، الذي هو مغامرة ومخاطرة ومقامرة على الموت.
وحيثما تجد تضحية وتفانيا ونظرات حب: فهناك أيضا تكون إرادة السيطرة من أجل السيادة. إنما يتسلل الأضعف بمكر مخترقا القلعة داخل قلب الأقوى لسلبه القوة.
وهذا هو السر الذي أسرت به الحياة إلي: انظر، إنني ذلك الذي ينبغي أن يعلو دواما على نفسه.
حقا، أنتم تسمونها إرادة إنجاب أو غريزة الوصول إلى الغايات الأعلى والأبعد والأعقد: غير أن هذا كله ليس سوى شيئا واحدا وسرا واحدا.
إنني لأفضل الهلاك على التخلي عن هذا الشيئ الفريد. والحق أنه حيثما يكون الهلاك وسقوط الأوراق، فإن هناك تضحي الحياة بذاتها من أجل القوة !
فليكن واجبا علي أن أكون صراعا وصيرورة وغاية ونقيض الغاية: واعجباه ! إن من يعرف إرادتي، يعرف جيدا تلك الطرق الملتوية التي ينبغي عليه أن يسير فيها !
مهما كان ما أخلقه ومهما كان قدر حبي له، فإنه يجب علي أن أصير عدوه وعدو حبي له: فهكذا تشاء إرادتي.
وحتى أنت أيها القارئ الباحث عن المعرفة، لست إلا طريقا وأثرا لأقدام إرادتي: والحق أن إرادة القوة في تسير بدورها في أعقاب إرادة الحقيقة فيك !
قد جانبه الصواب ذلك الذي أراد الوصول إلى الحقيقة بحديثه عن إرادة الحياة: فليس ثمة إرادة كهذه !
ذلك أن ما لا يحيا لا يريد، أما ذلك الذي يحيا، فكيف تتجه إرادته إلى الحياة ؟
لا تكون الإرادة إلا حيث تكون الحياة: غير أن هذه ليست إرادة حياة، ولكن، اعلم مني أنها إرادة القوة.
إن الحي ليقدر أشياء عديدة أكثر من تقديره للحياة ذاتها؛ غير أن ما يعبر عن نفسه خلال هذا التقدير ذاته هو إرادة القوة !
هذا ما أذكر أن الحياة أسرت لي به ذات مرة، ومن هنا أمكنني، يا أعظم الحكماء، أن أفسر لكم لغز قلوبكم.
إنما أقول لكم: إنه ليس ثمة خير أو شر دائم ! بل إن عليهما أن يعلوا دواما على نفسيهما.
أنتم تمارسون عنفكم يا صانعي القيم، بما تصدرونه من قيم ومن أقوال عن الخير والشر: ذلك هو حبكم الخفي، وذلك هو النور والرعشة والفيض الذي يغمر نفوسكم.
غير أن قيمكم تولد كذلك قوة أعظم وانتصارا جديدا يكسر البيضة وقشرتها.
والحال، أن من كان عليه أن يكون خالقا في مجال الخير والشر، عليه أولا أن يكون محطما وهادما للقيم.
ومن هنا فالشر الأكبر ينتمي إلى الخير الأكبر: أعني إلى الخير الخالق.
فلنركز حديثنا على هذه الأمور، يا أعظم الحكماء، حتى لو كان ذلك فظيعا؛ ذلك لأن السكوت أسوأ، والحقائق التي لا نجهر بها تغدو سامة. فليتحطم إذن كل ما يحطم أمام حقائقنا ! فأمامنا صروح عديدة للبناء !
هكذا تكلم زرادشت
Nietzsche F : « Ainsi parlait Zarathoustra » Trad. Marthe Robert, éd. 10/18, France, 1985, pp 106-1109
ترجمة: الدكتور أحمد الطريبق
المتابعون
أرشيف المدونة الإلكترونية
من أنا
- أحمد الطريبق Ahmed Tribak
- Tétouan, Tanger - Tétouan, Morocco
- ما هم من يتكلم
